الوقت وأهميته

Arafat

عضو جديد
17 مايو 2010
33
0
6
aboarafat.com
خطبة عن الوقت وأهميته بعنوان (المقت في إهدار الوقت) للشيخ محمد نبيه يوضح فيها أهمية الوقت في حياة الفرد والمجتمع ويبين كيفية إدارة الوقت واستخدامه.

ﺃﻫﻤﻴﺔ اﻟﻮﻗﺖ ﻓﻲ اﻟﻘﺮﺁﻥ اﻟﻜﺮﻳﻢ​

ﻟﻘﺪ ﺃﻛﺪ اﻟﻘﺮﺁﻥ اﻟﻜﺮﻳﻢ ﻋﻠﻰ ﺃﻫﻤﻴﺔ اﻟﻮﻗﺖ ﻣﺮاﺭاً، ﻭﻓﻲ ﺳﻴﺎﻕ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﻭﺑﺼﻴﻎ ﻣﺘﻌﺪﺩﺓ؛ ﻣﻨﻬﺎ: اﻟﺪﻫﺮ، اﻟﺤﻴﻦ، اﻵﻥ، اﻟﻴﻮﻡ، اﻷﺟﻞ، اﻷﻣﺪ، اﻟﺴﺮﻣﺪ، اﻷﺑﺪ، اﻟﺨﻠﺪ، اﻟﻌﺼﺮ، ﻭﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ اﻷﻟﻔﺎﻅ اﻟﺪاﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺼﻄﻠﺢ اﻟﻮﻗﺖ.

ﻭﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﻟﺒﻌﻀﻬﺎ ﻋﻼﻗﺔ ﺑﺎﻟﻌﻤﻞ ﻭﻃﺮﻗﻪ، ﺃﻭ ﻟﻪ ﻋﻼﻗﺔ ﺑﺎﻹﺩاﺭﺓ ﻭﺗﻨﻈﻴﻤﻬﺎ، ﺃﻭ ﺗﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﻜﻮﻥ ﻭاﻟﺨﻠﻖ، ﺃﻭ اﺭﺗﺒﻂ ﺑﻌﻼﻗﺔ اﻹﻧﺴﺎﻥ ﺑﺮﺑﻪ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ اﻟﻌﻘﻴﺪﺓ ﻭاﻟﻌﺒﺎﺩﺓ، ﻭﻳﻤﻜﻦ ﺗﻠﻤّﺲ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻣﺎ ﻳﺄﺗﻲ:

اﻟﻮﻗﺖ ﻣﻦ ﺃﺻﻮﻝ اﻟﻨﻌﻢ: ﺇﻥ ﻧﻌﻢ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﺒﺎﺩ ﻻ ﺗﻌﺪ ﻭﻻ ﺗﺤﺼﻰ، ﻗﺎﻝ ﺟﻞ ﺷﺄﻧﻪ: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا). (سورة النحل:18)

ﻭﻣﻦ ﺃَﺟَﻞِّ ﺗﻠﻚ اﻟﻨﻌﻢ ﻭﺃﻋﻈﻤﻬﺎ ﻧﻌﻤﺔ اﻟﻮﻗﺖ، اﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻣﻦ ﺃﺻﻮﻝ اﻟﻨﻌﻢ، ﻓﺎﻟﻮﻗﺖ ﻫﻮ ﻋﻤﺮ اﻟﺤﻴﺎﺓ، ﻭﻣﻴﺪاﻥ ﻭﺟﻮﺩ اﻹﻧﺴﺎﻥ، ﻭﺳﺎﺣﺔ ﻇﻠﻪ ﻭﺑﻘﺎﺋﻪ ﻭﻧﻔﻌﻪ ﻭاﻧﺘﻔﺎﻋﻪ.

ﻭﻗﺪ ﺃﺷﺎﺭ اﻟﻘﺮﺁﻥ ﺇﻟﻰ ﻋِﻈﻢ ﻫﺬا اﻷﺻﻞ ﻓﻲ ﺃﺻﻮﻝ اﻟﻨﻌﻢ، ﻭﺃﻟﻤﺢ ﺇﻟﻰ ﻋُﻠﻮّ ﻣﻘﺪاﺭﻩ ﻋﻠﻰ ﻏﻴﺮﻩ، ﻓﺠﺎءﺕ ﺁﻳﺎﺕ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺗﺮﺷﺪ ﺇﻟﻰ ﻗﻴﻤﺔ اﻟﺰﻣﻦ ﻭﺭﻓﻴﻊ ﻗﺪﺭﻩ ﻭﻛﺒﻴﺮ ﺃﺛﺮﻩ.​

آيات ورد فيها “الوقت”​

  1. (إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ). (سورة الحجر:38)​
  2. (إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ). (سورة ص:81)​
  3. (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ). (سورة البقرة:189)​
  4. (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا). (سورة النساء:103)​
  5. (وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً). (سورة الأعراف:142)​
  6. (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ). (سورة الأعراف:143)​
  7. (وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا). (سورة الأعراف:155)​
  8. (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ). (سورة الأعراف:187)​
  9. (فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ). (سورة الشعراء:38)​
  10. (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ). (سورة الدخان:40)​
  11. (لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ). (سورة الواقعة:50)​
  12. (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ). (سورة المرسلات:11)​
  13. (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا). (سورة النبأ:17)​
  14. (وَالْفَجْرِ). (سورة الفجر:1)​
  15. (وَالْعَصْرِ). (سورة العصر:1)​

معنى أُقِّتَتْ في القرآن الكريم​

(أُقِّتَتْ): جُعل لها وقت واحد. قيل: هو يوم القيامة. أو جعل لها وقت واحد للفصل في القضاء بين الأمة.

وقت الوقت: نهاية الزمان المفروض للعمل، ولهذا لا يكاد يقال إلا مقدرا نحو قولهم: وقت كذا: جعلت له وقتا، قال تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) (سورة النساء:103)، وقوله: (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ). (سورة المرسلات:11)

والميقات: الوقت المضروب للشيء، والوعد الذي جعل له وقت. قال عز وجل: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ) (سورة الدخان:40)، (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) (سورة النبأ:17)، (إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) (سورة الواقعة:50)، وقد يقال الميقات للمكان الذي يجعل وقتا للشيء، كميقات الحج.

وقد جاء في تفسير الجلالين (وإذا الرسل أُقتت) بالواو وبالهمزة بدلا منها، أي جمعت لوقت.

ومعنى الآية: وإذا الرسل عُيِّن لهم وقت وأجل للفصل بينهم وبين الأمم، يقال: لأيِّ يوم عظيم أخِّرت الرسل؟ أخِّرت ليوم القضاء والفصل بين الخلائق.

وما أعلمك – أيها الإنسان – أيُّ شيء هو يوم الفصل وشدته وهوله؟ هلاك عظيم في ذلك اليوم للمكذبين بهذا اليوم الموعود.​

أهمية الوقت في السنة​

روى الحاكم في المستدرك عن أبن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اِغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغِكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ). (المستدرك:7846)

عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنْ قامَتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكُم فَسيلةٌ فإنِ استَطاعَ أن لا تَقومَ حتَّى يغرِسَها فلْيغرِسْها). (صحيح الأدب المفرد:371)

روى الترمذي عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (لا تزولَ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يسألَ عن عُمُرِهِ فيمَ أفناهُ؟ وعن علمِهِ فيمَ فعلَ فيهِ؟ وعن مالِهِ مِن أينَ اكتسبَهُ؟ وفيمَ أنفقَهُ؟ وعن جسمِهِ فيمَ أبلاهُ؟). (سنن الترمذى:2417)

وفي صحيح البخاري: (نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ).

روى البخاري، والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (نِعمتانِ مَغبونٌ فيهما كثيرٌ منَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ). (صحيح البخاري:6412)

(مَغْبُونٌ): معنى الغبن أن تشتري بالغالي وتبيع بالرخيص.

(كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ) أيْ: الذي يُوَفَّقُ لذلك قليلٌ فقد يكون الإنسانُ صحيحاً، ولا يكون متفرِّغاً لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنيًا، ولا يكون صحيحاً، فإذا اجتمعا – الصحةُ والفراغُ – فغَلَبَ على الإنسان الكسلُ عن الطاعة فهو المغبونُ، والغبنُ أنْ تشتريَ بأضعافِ الثمنِ، وأنْ تبيعَ بأقَلّ مِن ثمنِ المِثْلِ.

لقد وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على قيمةَ الوقت، فجعله ظرفاً لبطولاتٍ تعجزُ عن صنعَها الأممُ والشعوبُ، حتّى أقسمَ اللهُ في عليائه بِعُمُرِ رسوله الثمينِ، فقال تعالى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ). (سورة الحجر:72)​

أهمية تنظيم الوقت​

كلٌّ ﻣﻨﺎ ﻳﻤﺘﻠﻚ ﺃﺭﺑﻌًﺎ ﻭﻋﺸﺮﻳﻦ ﺳﺎﻋﺔ ﻳﻮﻣﻴﺎً، ﻭﺳﺒﻌﺔ ﺃﻳﺎﻡ ﻓﻲ اﻷﺳﺒﻮﻉ، ﻭاﺛﻨﻴﻦ ﻭﺧﻤﺴﻴﻦ ﺃﺳﺒﻮﻋﺎً ﻓﻲ اﻟﺴﻨﺔ، ﻭﺑﺎﻹﺩاﺭﺓ اﻟﻔﻌَّﺎﻟﺔ ﻳﻤﻜﻦ اﻟﺘﻮﺻﻞ ﺇﻟﻰ اﺳﺘﺨﺪاﻡ ﻟﻠﻮﻗﺖ ﺑﺸﻜﻞ ﺃﻓﻀﻞ، ﻭﺇﻟﻰ اﻟﻘﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ اﻹﻧﺠﺎﺯ اﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ اﻟﻤﻬﻤﺎﺕ ﻓﻲ ﻛﻤﻴﺔ اﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﻬﺎ.

ﺇﻥ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻨﻈﺮﻭﻥ ﺇﻟﻰ اﻟﻮﻗﺖ ﺑﻌﻴﻦ اﻻﻫﺘﻤﺎﻡ ﻫﻢ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺤﻘﻘﻮﻥ ﺇﻧﺠﺎﺯاﺕ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺗﻬﻢ اﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻭاﻟﻤﻬﻨﻴﺔ، ﻭﻫﻢ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻌﻠﻤﻮﻥ ﺃﻥ اﻟﻮﻗﺖ ﻗﻠﻴﻞ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﺮﻳﺪﻭﻥ، ﻭﻋﻠﻰ اﻟﻌﻜﺲ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻓﺈﻥ اﻟﻤﺮء اﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﻬﺘﻢ ﻛﺜﻴﺮاً ﺑﺎﻹﻧﺠﺎﺯاﺕ ﻳﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ اﻟﻮﻗﺖ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﺫﻭ ﻗﻴﻤﺔ ﻗﻠﻴﻠﺔ.

ﻭﺗﺒﻘﻰ ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﻮﻗﺖ ﻣﺮﺗﺒﻄﺔ ﺩﻭﻣﺎً ﺑﻮﺟﻮﺩ اﻹﻧﺴﺎﻥ، ﺇﺫ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻣﻔﻬﻮﻣﻬﺎ ﻃﺒﻘﺎً ﻻﺧﺘﻼﻑ اﻟﺪﻭاﻓﻊ ﻭاﻻﺣﺘﻴﺎﺟﺎﺕ ﻭﻃﺒﻴﻌﺔ اﻟﻤﻬﻤﺎﺕ ﻭاﻷﻋﻤﺎﻝ اﻟﻤﻄﻠﻮﺑﺔ.

ﻛﻤﺎ ﺗﺆﺛﺮ اﻟﺜﻘﺎﻓﺎﺕ ﻭاﻟﺘﻘﺎﻟﻴﺪ ﻭاﻟﻌﺎﺩاﺕ ﺃﻳﻀﺎً ﺑﺼﻮﺭﺓ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ﺃﻭ ﻏﻴﺮ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﺷﻜﻞ اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ اﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭاﻟﻮﻗﺖ.

اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ ﻟﻴﺴﺖ ﻓﻲ ﻣﻘﺪاﺭ اﻟﻮﻗﺖ اﻟﻤﺘﻮاﻓﺮ ﻟﻜﻞٍ ﻣﻦ ﻫﺆﻻء، ﻭﻟﻜﻦ ﻓﻲ ﻛﻴﻔﻴﺔ ﺇﺩاﺭﺓ ﻫﺬا اﻟﻮﻗﺖ ﻭاﺳﺘﺨﺪاﻣﻪ.​

كيفية إدارة الوقت واستخدامه​

إدارةَ الوقتِ هي: تحديدُ هدفٍ، ثم العمل لتحقيقُه قال تعالى: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (سورة الملك:22)، ولا شكّ أنّ مَنْ يمشي إلى هدفٍ وغايةٍ واضحةٍ أهدى مِمَّن يَخبِطُ خَبْطَ عشواء، هذه حقيقة.

إدارة الوقت: الوقتُ مَوْرِدٌ نادرٌ، لا يمكن تجميعُه، ولأنّه سريعُ الانقضاءِ، وما مضى منه لا يرجع، ولا يعوَّض بشيء، كان الوقتُ أنفسَ وأثمنَ ما يملكُ الإنسانُ، وترجعُ نفاستُه إلى أنه وعاءٌ لكلِّ علمٍ، ولكلِّ عملٍ، ولكلِّ عبادةٍ، فهو في الواقعِ رأسُ المالِ الحقيقيّ للإنسانِ، فرداً ومجتمعاً.

ومن إدارة الوقت علو الهمة: إنما يقطع السفر ويصل المسافر بلزوم الجادة وسير الليل، فإذا حاد المسافر عن الطريق ونام الليل كله، فمتى يصل إلى مقصده؟
الجد بالجد والحرمان في الكسلِ
فانْصبْ تُصِبْ عن قريبٍ غايةَ الأملِ
فعليك يا طالب العلم أن تجد في التحصيل، فإن الأمر كما قال ابن الجنيد: “ما طلب أحد شيئًا بجد وصدق إلا ناله، فإن لم ينله كلَّه نال بعضه”.

فهذا هو علو الهمة في طلب العلم:
  • غيرة على الوقت أن ينفق في غير فائدة.​
  • وعزم يبلي الجديدان وهو صارم صقيل.​
  • وحرص لا يشفى غليله إلا أن يفترق من موارد العلوم بأكواب طافحة.​
  • وغوص في البحث لا تحول بينه وبين نفائس العلوم وعورةُ المسلك، ولا طولُ مسافةِ الطريق.​
  • وألسنة مهذبة لا تقع في لغو ومهاترة، كيف لا وقد شغلت بالحق، فأشغلها عن الباطل.​
لقد كان حالُ سلف الأمة في طلب العلم، ونشره، والتصنيف فيه حالًا عجيبًا، استثمروا فيه أوقاتهم، وأفنَوْا شبابهم، فحصَّلوا ما يدهش العقول، ويبهر الألباب، ويستنهض الهمم، فهيا إلى مطالعة أحوالهم، والاقتداء بهديهم، والسير على سننهم.
وحدثتني عنهم يا سعد فزدتني
بهم غرامًا، فزدني من حديثك يا سعدُ!
وقال آخر:
كَرِّرْ عليَّ حديثهم يا حادي
فحديثهم يُجلي الفؤادَ الصادي​

الحرص على طلب العلم الشريف​

العلم صناعة القلب وشغله فما لم تتفرغ لصناعته وشغله لم تنلها، وله وجهة واحدة، فإذا وُجَّهَتْ إلى اللذات والشهوات انصرفت عن العلم، ومن لم يُغَلِّبْ لذةَ إدراكِه العلمَ وشهوته على لذة جسمه وشهوة نفسه؛ لم ينل درجة العلم أبدًا، فإذا صارت شهوته في العلم، ولذته في إدراكه؛ رجي له أن يكون من جملة أهله، ولذلك كان علماؤنا – رحمهم الله تعالى – يحرصون على العلم وجمعه حرصًا ليس له نظير، وهاك أمثلة من ذاك:

عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كنتُ أنا وجارٌ لي من الأنصار – هو أوسُ بن خَوَليِّ الأنصاري – في بني أمية بن زيد – أي: ناحية بني أمية -، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوَبُ النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلتُ جئتُه بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما قُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسألْ أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبًا لك يا ابن عباس! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحَاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن فيهم؟، قال: فتركت ذاك، وأقبلتُ أسأل أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان يبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، يسفي الريح عليَّ من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول صلى الله عليه وسلم ما جاء بك؟ هلا أرسلتَ إليَّ فآتيك؟، فأقول: لا؛ أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث، فعاش هذا الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألونني، فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني.

ولما فُتحت البلاد آثر ابن عباس من أجل العلم ظمأ الهواجر في دروب المدينة ومسالكها على الظلال الوارفة في بساتين الشام، وسواد العراق، وشطآن النيل ودجلة والفرات، قال رضي الله عنه: لما فُتحت المدائن أقبل الناس على الدنيا، وأقبلتُ على عمر رضي الله عنه.
لكل بني الدنيا مراد ومقصَدُ
وإن مرادي صحةَ وفراغُ
لأبلغ في علم الشريعة مبلغًا
يكون به في للجِنان بلاغ
وفي مثل هذا فلينافس أولو النهى
وحسبي من الدنيا الغَرور بلاغُ
فما الفوز إلا في نعيم مُويَّدٍ
به العينُ رَغْدٌ والشراب يُساغ
وأسمعه رضي الله عنه يخبر عن دأبه في طلب العلم قال: كنت آتي باب أبيِّ بن كعب، وهو نائم، فأقيل على بابه، ولو علم بمكاني، لأحب أن يوقَظ لي لمكاني من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكني أكره أن أملَّه.

وقال رضي الله عنه: كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، فأسألهم عن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نزل من القرآن في ذلك، وكنت لا آتي أحدًا إلا سُرَّ بإتياني لقربي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت أسأل أبيَّ بن كعب يومًا، وكان من الراسخين في العلم، عما نزل بالقرآن في المدينة؟ فقال: نزل بها سبعٌ وعشرون سورة وسائرها بمكة.

قال الشافعي رحمه الله: حفظت (القرآن) وأنا ابن سبع سنين، وحفظت (الموطأ) وأنا ابن عشر سنين.

وقال رحمه الله: فلما ختمت القرآن، دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع الحديث أو المسألة فأحفظها، ولم يكن عند أمي ما تُعطيني أشتري به قراطيس! فكنت إذا رأيت عظمًا يلوح، آخذه فأكتب فيه، فإذا امتلأ طرحتُه في جَرَّةٍ كانت لنا قديمًا.

وقال أيضًا رحمه الله: لم يِكن لي مال، وكنت أطلب العلم في الحداثة – أي: في مستهل عمره، وكانت سنه أقل من ثلاث عشرة سنة – وكنت أذهب إلى الديوان أستوهِبُ الظهور – أي: ظهورَ الأوراق المكتوبِ عليها – فأكتب فيها.

قال ابن أبي حاتم: سمعت المزني يقول: قيل للشافعي: كيف شهوتك للعلم؟ قال: أسمع بالحرف – أي: بالكلمة – مما لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعًا تتنعم به ما تنعمت به الأذنان، فقيل له: كيف حرصك عليه؟ فقال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال، فقيل له: فكيف طلبك له؟ فقال: طلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره.

وهذا (محمد بن سلام) شيخ البخاري، كان في حال الطلب جالسًا في مجلس الإملاء، والشيخ يحدِّث ويملي، فانكسر قلمُه، فأمر أن يُنادَى: (قلم بدينار) فتطايرت إليه الأقلام.

ومن أراد الزيادة فليقرأ كتاب (علو الهمة) للمقدم.​

قيمة الوقت​

في الحكم العطائية: رُبَّ عُمُرٍ اتَّسعت آمادُه، وقلَّتْ أمدادُه، ورُبَّ عُمُرٍ قليلةٌ آمادُه، كثيرةٌ أمدادُه، ومَنْ بوركَ له في عُمرِه أدركَ في يسيرٍ مِنَ الزمنِ مِنَ المِنَنِ ما لا يدخلُ تحتَ دائرةِ العبارةِ، ولا تلحقُه وَمْضَةُ الإشارةِ، الْعجب مِمَّن يَدعِي الْعقل والتمييز وَهُوَ جَاهِل بنفاسة الْوَقْت الغزيز يفرح بِرِبْح الفانيات وَهُوَ مغبون ويعد فِي عرف أهل الدُّنْيَا عَاقِلا وَهُوَ عِنْد أهل الْآخِرَة مَجْنُون كم ورع لِلْعَقْلِ منا وَهُوَ مَجْنُون يعْتَقد الرِّبْح وَهُوَ مغبون.​